محمد بن عبد المنعم الحميري ( ابن عبد المنعم )
100
الروض المعطار في خبر الأقطار
طابت بطيب نهاره آصاله * وتعطّرت بنسيمه أشجاره أما السرار فقد عداه وهل سوى * قمر السماء يزول عنه سراره قد كان يشرق بالهداية ليله * والآن أظلم بالضلال نهاره ودجا به ليل الخطوب فصبحه * أعيى على إبصاره إسفاره ومما صدر عن الكاتب أبي عبد اللّه محمد بن عبد اللّه بن الابار في ذلك قوله من رسالة : وأمّا الأوطان المحبّب عهدها بحكم الشباب ، المشبّب فيها بمحاسن الأحباب ، فقد ودعنا معاهدها وداع الأبد ، وأخنى عليها الذي أخنى على لبد ، أسلمها الإسلام ، وانتظمها الانتثار والاصطلام ، حين وقعت أسعدها الطائرة ، وطلعت أنحسها العاثرة فغلب على الجذل الحزن ، وذهب مع المسكن السكن . [ كزعزع الريح صك الدوح عاصفها * فلم يدع من جنى فيها ولا غصن واها وآها يموت الصبر بينهما * موت المحامد بين البخل والجبن ] « 1 » أين بلنسية ومغانيها ، وأغاريد ورقها وأغانيها ، أين حلى رصافتها وجسرها ، ومنزل عطائها ونصرها ، أين أفياؤها تندى غضارة ، وذكاؤها تبدو من خضارة ، أين جداولها المنساحة وخمائلها ، أين جنائنها النفّاحة وشمائلها ، شد ما عطل من قلائد أزهارها نحرها ، وخلعت شعشعانية الضحى بحيرتها وبحرها [ فاية حيلة لا حيلة في صرفها مع صرف الزمان ، وهل كانت حتى بانت إلا رونق الحق وبشاشة الايمان ] ، ثم لم يلبث داء عقرها أن دبّ إلى جزيرة شقرها ، فأمّر عذبها النمير ، وذوى غصنها النضير ، وخرست حمائم أدواحها ، وركدت نواسم أرواحها ، ومع ذلك اقتحمت دانية ، فنزحت قطوفها وهي دانية ، ويا لشاطبة وبطحائها ، من حيف الأيام وانحائها ، والهفاه على تدمير وتلاعها ، وقرطبة وبواديها ، وحمص وواديها ، كلها رعي كلؤها ، ودهي بالتفريق [ والتمزيق ] ملؤها ، فأغصّ الحصار أكثرها ، وطمس الكفّار عينها وأثرها [ وتلك إلبيرة بصدد البوار ، وريّه في مثل حلقة السوار ، ولا مرية في المرية وخفضها على الجوار ، إلى بنيات لواحق بالأمهات ، ونواطق بهاك لأول ناطق بهات ، ما هذا النفخ بالمعمور ، أهو النفخ في الصور ، أم النفر عاريا من الحج المبرور ] ، فيا للأندلس أصيبت بأشرافها ، ونقصت من أطرافها ، قوّض عن صوامعها الاذان ، وصمت بالنواقيس فيها الآذان ، أجنت ما لم تجن الأصقاع ، أعقّت الحق فحاق بها الايقاع ، كلا بل دانت للسنة ، وكانت من البدع في أحصن جنة ، هذه المروانية مع اشتداد أركانها وامتداد سلطانها ، ألقت حبّ آل النبوة في حبّات القلوب ، وولت ولم تظفر من خلعة ولا نقلة « 2 » بمطلوب ، إلى المرابطة بأقاصي الثغور ، والمحافظة على معالي الأمور ، والركون إلى الهضبة المنيعة ، والروضة المريعة ، من معاداة الشيعة وموالاة الشريعة ، فليت شعري بما استوسق تمحيصها ، ولم يعلق بعموم البلاء تخصيصها . اللّهمّ غفرا طال ما ضرّ ضجر ، ومن الأنباء ما فيه مزدجر ، جرى بما خط في اللوح المقدور ، فما عسى أن ينفث المصدور ، وربّنا الحكيم العليم ، فحسبنا التفويض والتسليم . ويا عجبا لبني الأصفر ، أنسيت يوم الصفّر « 3 » ورميها يوم الترموك بكل أغلب غضنفر ، دع ذا فالعهد به بعيد ، ومن اتعظ بغيره فهو سعيد ، هلّا تذكرت العامرية وغزواتها ، وهابت العمرية وهبواتها . ومما قاله في ذلك من المنظوم قصيدته السينية التي أولها : أدرك بخيلك خيل اللّه أندلسا يقول فيها : يا للجزيرة أضحى أهلها جزرا * للحادثات وأمسى جدها تعسا يا للمساجد عادت للعدى بيعا * وللنداء يرى أثناءها جرسا
--> ( 1 ) ما بين معقفين في هذا النص سقط من ص ع وزدناه من بروفنسال . ( 2 ) بروفنسال : وألوت . . . ولا قلعة . ( 3 ) يعني مرج الصفّر حيث قهر الروم في فتح الديار الشامية .